ممـلكـــة ميـــرون


ادارة مملكة ميرون
ترحب بكم وتتمنى لكم قضاء اوقات مفيدة
وتفتح لكم قلبها وابوابها
فاهلا بكم في رحاب مملكتنا
ايها الزائر الكريم لو احببت النضمام لمملكتنا؟
التسجيل من هنا
وان كنت متصفحا فاهلا بك في رحاب منتدانا

ادارة مملكة ميرون


,,,منتديات,,,اسلامية,,,اجتماعية,,,ثقافية,,,ادبية,,,تاريخية,,,تقنية,,, عامة,,,هادفة ,,,


    تفسير الاية 41 من سورة البقرة

    شاطر

    محمد الرملى
    مشرف المنتدى الاسلامي
    مشرف المنتدى الاسلامي

    علم الدولة : علم الدولة
    الجنسية : مصري
    ذكر المزاج : احسن من كدة مفيش

    default تفسير الاية 41 من سورة البقرة

    مُساهمة من طرف محمد الرملى في الجمعة يونيو 19, 2009 7:34 am

    الآية 41 سورة البقرة
    في سياق تذكير القرآن بني إسرائيل بفضل الله وما أسبغه عليهم من نِعَم ظاهرة وباطنه، والذي بدأ الخطاب بقول الله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}... (البقرة:40) إلى أن قال: {وَآمِنُواْ وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}... (البقرة:41) نتوقف مع هذه الآية الأخيرة، لنستشف ما تحمله من دلالات ومعان:
    الخطاب في الآية كما هو ظاهر لليهود من أهل الكتاب، وقوله تعالى: {بِمَا أَنزَلْتُ} المقصود بالمنَزَّل هنا القرآن الكريم، أي: آمنوا بما جاء في القرآن من الأحكام والمبشرِّات بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وظهور الإسلام على غيره من الأديان، كما جاء ذلك في كتبكم التوراة والإنجيل.
    وقوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} عطف على قوله سبحانه: {وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ} وهو ارتقاء في الدعوة، واستجلاب للقلوب.
    وجاء الضمير في قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُوا} بصيغة الجمع، بينما جاء قوله: {كَافِرٍ} بصيغة الإفراد، وحقه أن يكون جمعًا، ليناسب الضمير قبله؛ قالوا: إنما جاء به مفردًا، ولم يقل: (كافرين) حتى يطابق ما قبله؛ لأنه وصف لموصوف محذوف مفرد اللفظ، متعدد المعنى، تقديره: فريق، وعلى هذا فالمعنى: ولا تكونوا أول فريق يكفر بالقرآن وما جاء به.
    ثم إنه سبحانه قال: {أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} مع أنه قد سبقهم إلى الكفر به كفار قريش؛ ووجَّه المفسرون ذلك بأن المراد: أول كافر به من أهل الكتاب، لأنهم العارفون بما يجب للأنبياء، وما يلزم من التصديق بما جاؤوا به؛ وعلى هذا فالضمير في قوله: {بـه} عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أي: لا تكونوا أول كافر بهذا النبي صلى الله عليه وسلم، مع كونكم قد وجدتموه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل، مبشَّرًا به في الكتب المنـزلة عليكم.
    على أنه يمكن إرجاع الضمير أيضًا إلى القرآن، وعليه يكون المعنى: لا تكونوا أول كافر بالقرآن، ومعلوم أن مما جاء في القرآن، إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدق رسالته؛ واختار ابن جرير الطبري أن الضمير في قوله: {بـه} عائد على القرآن، الذي تقدم ذكره في قوله: {بِمَا أَنزَلْتُ} وكلا القولين صحيح، لأنهما متلازمان؛ إذ الإيمان بالقرآن يستلزم الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، والإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، يستلزم الإيمان بالقرآن.
    يرشد لهذا المعنى قول الحسن والسدي والربيع بن أنس: من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كفر بالقرآن.

    وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ولا تكونوا أول كافر به، وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم.
    على أن التقيد في الآية بـ {أَوَّلَ} لا مفهوم له؛ إذ ليس المقصود من الآية النهي عن الكفر أولاً فحسب، بل المقصود النهي عن ذلك دائمًا وعلى كل حال، وخُصَّ الأول بالذكر لأن التقدم والسبق إليه أغلظ وأشنع، فكان الأول والأخر في الحكم سواء؛ فقوله جلَّ ثناؤه: {أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} يعني أول من كفر به من بني إسرائيل، لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير، لم يؤمنوا بما جاء القرآن به.
    وفي تقرير هذا المعنى يقول أبو العالية: ولا تكونوا أول من كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، يعني من جنسكم أهل الكتاب، بعد سماعكم بمبعثه.
    إذا عُلِمَ هذا، نقول: إن قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} يحتمل وجوهًا من المعاني، إليك بيانها:
    الأول: أن النهي عن الكفر بالقرآن وما جاء به، هو تأكيد لطلب الإيمان به؛ إذ الإيمان والكفر نقيضان لا يجتمعان، إذا انتفى أحدهما ثبت الآخر، فكان النهي عن أن يكونوا أول الكافرين، يستلزم أن يكونوا أول المؤمنين، وعلى هذا فالمقصود من النهي توبيخهم على تأخرهم في اتباع دعوة الإسلام.
    الثاني: أن يكون المقصود التعريض بالمشركين، وبيان أنهم أشد كفرًا من اليهود، والمعنى على هذا: لا تكونوا أيها اليهود أشد كفرًا من المشركين الذين كانوا سابقين في الكفر بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
    الثالث: أن يكون المراد من {أَوَّلَ} المبادرة والمسارعة إلى الإيمان، كقوله تعالى: {فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} (الزخرف: 81) أي: أول المسارعين والمبادرين للالتزام بشرع الله، ونبذ ما سواه من الشرائع البشرية والوضعية.
    الرابع: أن يكون {أَوَّلَ} كناية عن القدوة في الأمر، والمعنى عليه: لا تكونوا كافرين بهذا القرآن، فتكونوا قدوة لمن جاء بعدكم، وبئس القدوة تلك.
    وكما ترى - قارئي الكريم - فإن الآية تحتمل هذه المعاني كلها ولا تأباها؛ على أن الآية وإن كانت خطابًا لليهود في عهد الرسالة، بيد أنها تفيد خطاب الناس كافة، زمانًا ومكانًا؛ إذ هي دعوة للناس أجمعين للإيمان بهذا الدين، والتزام أحكامه أمرًا ونهيًا، وترك ما سواه من الأديان السماوية المنسوخة والمحرفة، ونبذ الشرائع الوضعية التي استحدثها الناس، فضلوا بها وأضلوا عن سواء السبيل.
    والله يرشدني وإياك إلى صواب القول، وحُسْن القصد.
    المصدر: موقع الشبكة الإسلامية

    ميـــرون
    المدير العام
    المدير العام

    علم الدولة : علم الدولة
    الجنسية : فلسطيني
    انثى

    default رد: تفسير الاية 41 من سورة البقرة

    مُساهمة من طرف ميـــرون في الأربعاء يونيو 24, 2009 3:08 am


    جزاك الله كل الخير
    محمد

    وبارك الله فيك وبمجهودك العظيم

    جعل عملك في موازين حسناتك

    وبني لك بكل حرف بيتا في الجنة

    لك الود والتقدير

    تحياتي




    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

    eyad
    مشرف المنتدى الاسلامي
    مشرف المنتدى الاسلامي

    ذكر

    default رد: تفسير الاية 41 من سورة البقرة

    مُساهمة من طرف eyad في الثلاثاء يونيو 30, 2009 11:05 am

    بارك الله فيك اخي محمد

    على هذه المشاركة القيمة

    وجزاك الله خيرا

    محمد الرملى
    مشرف المنتدى الاسلامي
    مشرف المنتدى الاسلامي

    علم الدولة : علم الدولة
    الجنسية : مصري
    ذكر المزاج : احسن من كدة مفيش

    default رد: تفسير الاية 41 من سورة البقرة

    مُساهمة من طرف محمد الرملى في الإثنين أغسطس 24, 2009 10:23 pm

    الآية 44 من سورة البقرة

    قال سبحانه: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} (البقرة:44)
    وردت هذه الآية في سياق تذكير بني إسرائيل بنعم الله عليهم، وبيان ما كان من أمرهم؛ والغرض من الآية - والله أعلم - بيان حال اليهود، ومن كان على شاكلتهم، وسار على سَنَنِهم، على كمال خسارهم، ومبلغ سوء حالهم، الذي وصلوا إليه؛ إذ صاروا يقومون بالوعظ والتعليم، كما يقوم الصانع بصناعته، والتاجر بتجارته، والعامل بعمله، لا يقصدون إلا إيفاء وظائفهم الدينية حقها، ليستحقوا بذلك ما يُعَوَّضون عليه من مراتب ورواتب؛ فهم لا ينظرون إلى حال أنفسهم تجاه تلك الأوامر التي يأمرون بها الناس .
    والمراد بـ {النَّاسَ} في الآية، العامة من أمة اليهود؛ والمعنى: كيف تأمرون أتباعكم وعامتكم بالبر وتنسون أنفسكم؟ ففيه تنديد بحال أحبارهم، أو تعريض بأنهم يعلمون أن ما جاء به رسول الإسلام هو الحق، فهم يأمرون أتباعهم بالمواعظ، ولا يطلبون نجاة أنفسهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما في معنى الآية: أتنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة، والعهدة من التوراة، وتتركون أنفسكم، وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي، وتجحدون ما تعلمون من كتابي .
    و{الْبِرِّ} بكسر الباء: الخير في الأعمال في أمور الدنيا وأمور الآخرة؛ ومن المأثور قولهم: البر ثلاثة، بر في عبادة الله، وبر في مراعاة الأقارب، وبر في معاملة الأجانب .
    ثم إن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر، لا بسبب الأمر بالبر؛ ولهذا ذم الله تعالى في كتابه قومًا كانوا يأمرون بأعمال البر، ولا يعملون بها، ووبَّخهم به توبيخًا يتلى إلى يوم الناس هذا؛ إذ إن الأمر بالمعروف واجب على العالِم، والأولى بالعالِم أن يفعله مع من أمرهم به، ولا يتخلف عنهم، كما قال شعيب عليه السلام لقومه: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} (هود:88) فكلٌّ من الأمر بالمعروف وفعله واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر، على أصح قولي العلماء من السلف والخلف .
    و(النسيان) في قوله جلَّ وعلا: {وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} هو الترك، أي: تتركون أنفسكم بإلزامها ما أمرتم به غيركم؛ والنسيان (بكسر النون) يكون بمعنى الترك، وهو المراد هنا، ومثله قوله تعالى: {نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} (التوبة:67) وقوله أيضًا: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} (الأنعام:44) وما أشبه ذلك من الآيات؛ ويكون خلاف الذكر والحفظ .
    وقوله سبحانه: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} استفهام عن انتفاء تعقُّلهم، وهو استفهام على سبيل الإنكار والتوبيخ، نزلوا منـزلة من انتفى تعقله، فأنكر عليهم ذلك، إذ إن من يستمر به التغفل عن نفسه، وإهمال التفكر في صلاحها، مع مصاحبة شيئين يذكِّرانه، قارب أن يكون منفيًا عنه التعقل، وكون هذا الأمر أمرًا قبيحًا لا يشك فيه عاقل.
    والمقصود الأهم من هذا الخطاب القرآني تنبيه المؤمنين عامة، والدعاة منهم خاصة، على ضرورة التوافق والالتزام بين القول والعمل، لا أن يكون قولهم في واد وفعلهم في واد آخر؛ فإن خير العلم ما صدَّقه العمل، والاقتداء بالأفعال أبلغ من الإقتداء بالأقوال؛ وإن مَن أَمَرَ بخير فليكن أشد الناس فيه مسارعة؛ وفي الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم (كان خلقه القرآن) أي: إن سلوكه صلى الله عليه وأفعاله كانت على وَفْقِ ما جاء به القرآن وأمر به؛ إذ إن العمل ثمرة العلم، ولا خير بعلم من غير عمل.
    وأخيرًا: نختم حديثنا حول هذه الآية، بقول إبراهيم النخعي: إني لأكره القصص لثلاث آيات، قوله تعالى: {َتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرّ} وقوله: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ} (الصف:2) وقوله: {َمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} (هود:88) نسأل الله أن يجعلنا من الذين يفعلون ما يؤمرون {وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (هود:88) .

    محمد الرملى
    مشرف المنتدى الاسلامي
    مشرف المنتدى الاسلامي

    علم الدولة : علم الدولة
    الجنسية : مصري
    ذكر المزاج : احسن من كدة مفيش

    default رد: تفسير الاية 41 من سورة البقرة

    مُساهمة من طرف محمد الرملى في الإثنين أغسطس 24, 2009 10:24 pm

    الآية 41 سورة البقرة
    في سياق تذكير القرآن بني إسرائيل بفضل الله وما أسبغه عليهم من نِعَم ظاهرة وباطنه، والذي بدأ الخطاب بقول الله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}... (البقرة:40) إلى أن قال: {وَآمِنُواْ وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}... (البقرة:41) نتوقف مع هذه الآية الأخيرة، لنستشف ما تحمله من دلالات ومعان:
    الخطاب في الآية كما هو ظاهر لليهود من أهل الكتاب، وقوله تعالى: {بِمَا أَنزَلْتُ} المقصود بالمنَزَّل هنا القرآن الكريم، أي: آمنوا بما جاء في القرآن من الأحكام والمبشرِّات بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وظهور الإسلام على غيره من الأديان، كما جاء ذلك في كتبكم التوراة والإنجيل.
    وقوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} عطف على قوله سبحانه: {وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ} وهو ارتقاء في الدعوة، واستجلاب للقلوب.
    وجاء الضمير في قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُوا} بصيغة الجمع، بينما جاء قوله: {كَافِرٍ} بصيغة الإفراد، وحقه أن يكون جمعًا، ليناسب الضمير قبله؛ قالوا: إنما جاء به مفردًا، ولم يقل: (كافرين) حتى يطابق ما قبله؛ لأنه وصف لموصوف محذوف مفرد اللفظ، متعدد المعنى، تقديره: فريق، وعلى هذا فالمعنى: ولا تكونوا أول فريق يكفر بالقرآن وما جاء به.
    ثم إنه سبحانه قال: {أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} مع أنه قد سبقهم إلى الكفر به كفار قريش؛ ووجَّه المفسرون ذلك بأن المراد: أول كافر به من أهل الكتاب، لأنهم العارفون بما يجب للأنبياء، وما يلزم من التصديق بما جاؤوا به؛ وعلى هذا فالضمير في قوله: {بـه} عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أي: لا تكونوا أول كافر بهذا النبي صلى الله عليه وسلم، مع كونكم قد وجدتموه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل، مبشَّرًا به في الكتب المنـزلة عليكم.
    على أنه يمكن إرجاع الضمير أيضًا إلى القرآن، وعليه يكون المعنى: لا تكونوا أول كافر بالقرآن، ومعلوم أن مما جاء في القرآن، إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدق رسالته؛ واختار ابن جرير الطبري أن الضمير في قوله: {بـه} عائد على القرآن، الذي تقدم ذكره في قوله: {بِمَا أَنزَلْتُ} وكلا القولين صحيح، لأنهما متلازمان؛ إذ الإيمان بالقرآن يستلزم الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، والإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، يستلزم الإيمان بالقرآن.
    يرشد لهذا المعنى قول الحسن والسدي والربيع بن أنس: من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كفر بالقرآن.

    وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ولا تكونوا أول كافر به، وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم.
    على أن التقيد في الآية بـ {أَوَّلَ} لا مفهوم له؛ إذ ليس المقصود من الآية النهي عن الكفر أولاً فحسب، بل المقصود النهي عن ذلك دائمًا وعلى كل حال، وخُصَّ الأول بالذكر لأن التقدم والسبق إليه أغلظ وأشنع، فكان الأول والأخر في الحكم سواء؛ فقوله جلَّ ثناؤه: {أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} يعني أول من كفر به من بني إسرائيل، لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير، لم يؤمنوا بما جاء القرآن به.
    وفي تقرير هذا المعنى يقول أبو العالية: ولا تكونوا أول من كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، يعني من جنسكم أهل الكتاب، بعد سماعكم بمبعثه.
    إذا عُلِمَ هذا، نقول: إن قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} يحتمل وجوهًا من المعاني، إليك بيانها:
    الأول: أن النهي عن الكفر بالقرآن وما جاء به، هو تأكيد لطلب الإيمان به؛ إذ الإيمان والكفر نقيضان لا يجتمعان، إذا انتفى أحدهما ثبت الآخر، فكان النهي عن أن يكونوا أول الكافرين، يستلزم أن يكونوا أول المؤمنين، وعلى هذا فالمقصود من النهي توبيخهم على تأخرهم في اتباع دعوة الإسلام.
    الثاني: أن يكون المقصود التعريض بالمشركين، وبيان أنهم أشد كفرًا من اليهود، والمعنى على هذا: لا تكونوا أيها اليهود أشد كفرًا من المشركين الذين كانوا سابقين في الكفر بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
    الثالث: أن يكون المراد من {أَوَّلَ} المبادرة والمسارعة إلى الإيمان، كقوله تعالى: {فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} (الزخرف: 81) أي: أول المسارعين والمبادرين للالتزام بشرع الله، ونبذ ما سواه من الشرائع البشرية والوضعية.
    الرابع: أن يكون {أَوَّلَ} كناية عن القدوة في الأمر، والمعنى عليه: لا تكونوا كافرين بهذا القرآن، فتكونوا قدوة لمن جاء بعدكم، وبئس القدوة تلك.
    وكما ترى - قارئي الكريم - فإن الآية تحتمل هذه المعاني كلها ولا تأباها؛ على أن الآية وإن كانت خطابًا لليهود في عهد الرسالة، بيد أنها تفيد خطاب الناس كافة، زمانًا ومكانًا؛ إذ هي دعوة للناس أجمعين للإيمان بهذا الدين، والتزام أحكامه أمرًا ونهيًا، وترك ما سواه من الأديان السماوية المنسوخة والمحرفة، ونبذ الشرائع الوضعية التي استحدثها الناس، فضلوا بها وأضلوا عن سواء السبيل.
    والله يرشدني وإياك إلى صواب القول، وحُسْن القصد

    محمد الرملى
    مشرف المنتدى الاسلامي
    مشرف المنتدى الاسلامي

    علم الدولة : علم الدولة
    الجنسية : مصري
    ذكر المزاج : احسن من كدة مفيش

    default رد: تفسير الاية 41 من سورة البقرة

    مُساهمة من طرف محمد الرملى في الإثنين أغسطس 24, 2009 10:25 pm

    الآيات 58 - 59 من سورة البقرة

    في سياق حديث القرآن عن بني إسرائيل، وتذكيرهم بأنعم الله عليهم، يخبرنا القرآن عن موقف من مواقفهم، وذلك قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}... سورة البقرة الآيات 58 – 59.
    وجاء الإخبار عن هذا الموقف في موضع آخر من القرآن الكريم، وذلك قوله سبحانه: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ}... سورة الأعراف الآيات 161 - 162.
    وقد فارق كل موضع الآخر من أحد عشر نحواً، ونحن نذكر أهم الفوارق التي قيلت حول هذه الآيات:
    أولاً: أنه سبحانه عَطَف فعل (الأكل) بالفاء في سورة البقرة: {فَكُلُواْ}، وبالواو في سورة الأعراف؛ لأنه تعالى أمرهم في سورة البقرة بـ (الدخول)، وهو سريع الانقضاء {ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا}، فناسب اقتران الفعل بعد الأمر بالدخول بالفاء؛ لدلالتها على التعقيب وعدم التراخي؛ فكأنه قيل: ادخلوا القرية فكلوا مما أنعم الله عليكم فيها.
    أما في سورة الأعراف، فقد أُمروا بالسكنى، وهذا الفعل يفيد الاستقرار والتراخي، فناسبه اقتران الفعل بعده بالواو: {اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا}، مما يدل على مطلق الجمع بين السكنى والتمتع بالأكل، بغض النظر عن مراعاة التعقيب والترتيب.
    ثانياً: جاء الوصف: {رَغَدًا} في سورة البقرة يحمل دلالة محددة؛ وذلك أنه سبحانه لما أسند القول إليه: {وَإِذْ قُلْنَا}، ناسبه أن يذكر معه ما يدل على إفاضة النعم، وما يدل على كرمه سبحانه على خلقه، فقال: {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا}.
    أما في سورة الأعراف، فإنه لما جاء الفعل على صيغة المبني للمجهول: {وَإِذْ قِيلَ}، لم يذكر معه ما ذكر من الإكرام الوافر؛ لأنه لم يسند الفعل إليه سبحانه.
    ثالثاً: جاء الأمر بالدخول سجداً في سورة البقرة مقدماً على الأمر بالقول بحط الذنوب، {وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ}، بينما جاء الأمر بالقول بحط الذنوب في سورة الأعراف مقدماً على الأمر بالدخول سجداً، {وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا}؛ وذلك أنه لما كان منهم مذنبون وغير مذنبين، ذكر في كل موضع ما هو أليق بهذين الفريقين.
    فذكر في سورة البقرة ما هو أليق بفريق المذنبين، فطلب الدخول سجداً، تقديماً لأمر العبادة، إذ هو الأليق بحالهم، وأخَّر الأمر بحط الذنوب على سبيل هضم النفس، وإزالة العجب؛ في حين أنه في سورة الأعراف قدم ما هو الأليق بحال المذنبين، فأمرهم بطلب حط الذنوب وغفرانها؛ إذ هم أحوج ما يكونون إليه، وأخَّر أمرهم بالدخول سجداً؛ لأن التوبة عن الذنب مقدَّمة على الاشتغال بالعبادة، وبذلك يكون ذكر في كل موضع ما هو أليق بكل فريق.
    رابعاً: قال في سورة البقرة: {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} عطفاً بـ (الواو)، وجعل (المغفرة) مع (الزيادة) جزاء واحداً لمجموع الفعلين: (دخول الباب سجداً)، وقولهم: (حطة). أما في سورة الأعراف، فجعل (المغفرة) جزاء لقولهم: (حطة)، وجعل (الزيادة) جزاء على (الدخول)، فَتْرك (الواو) يفيد توزع كل من الجزاءين على كل من الفعلين.
    خامساً: قوله سبحانه: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ}، جاء في سورة الأعراف بزيادة: {مِنْهُمْ}؛ لأن أول قصة أصحاب موسى عليه السلام في سورة الأعراف مبني على التخصيص والتمييز؛ إذ قال: {وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}... سورة الأعراف الآية 159.
    فذكر منهم من يفعل ذلك، ثم عدَّد صنوف إنعامه عليهم، وأوامره لهم، فلما انتهى الإخبار عن ذلك، قال: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ}، فأتى في آخرها ما أخبر عنهم بلفظ: (من)، التي تفيد التخصيص والتمييز؛ ليكون آخر القصة متوافقاً مع أولها. أما في سورة البقرة، فإنه لما لم يذكر في الآيات التي قبل قوله: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ} تمييزاً وتخصيصاً، لم يعد لازماً ذكر ما يفيد التخصيص والتمييز .
    سادساً: في سورة البقرة قال سبحانه: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ}، وفي سورة الأعراف، قال تعالى: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ}، و(الخطايا) جمع تكسير، يدل على الكثرة، و(الخطيئات) جَمْعٌ ملحق بجمع المؤنث السالم، وهو يدل على القلة.
    وتعليل هذا الاختلاف: أنه لما جاء إسناد الفعل في سورة البقرة إليه سبحانه: {وإذ قلنا}، ناسب تكثير النعم والفضائل، فأتى بما يدل على الكثير الجم؛ لأن وزن (فعالى) = (خطايا) من أوزان جمع الكثرة؛ وذلك ليدل على كرمه وجوده وعظيم امتنانه، فكأنه قال: نغفر لكم خطاياكم كلها جمعاء. أما في سورة الأعراف، لما كان الفعل غير مسند لله سبحانه، بل جاء بالبناء للمجهول، جاءت الصيغة بما تدل على جمع القلة.
    سابعاً: جاء فعل العاقبة والجزاء في سورة البقرة معبَّراً عنه بـ (الإنزال) {فأنزلنا}، بينما جاء في سورة الأعراف معبَّراً عنه بـ (الإرسال) {فأرسلنا}؛ والفرق بين الفعلين: أن فعل (الإنزال) يفيد حدوث الأمر بداية، في حين أن فعل (الإرسال) يفيد حدوث الأمر على وجه كلي ونهائي؛ فذكر في البقرة ما يدل على بداية نزول الرجز عليهم، وذكر في الأعراف ما يدل على أخذهم بالكلية واستئصالهم، وبذلك تكون صورة عذابهم في الموضعين، قد جاءت على أتم وصف.
    هذا بعض ما ذُكر من فوارق بين آيتي سورة البقرة وآيتي سورة الأعراف، وهي فوارق تقريبية احتمالية، لا يمكن الجزم بها، قد يقبلها البعض، وقد يرفضها آخرون، ولا حرج في ذلك.
    فمن قَبِلَها، فقد وافق الإمام الرازي فيما ذهب إليه بخصوص هذه الفوارق؛ حيث ذكر عشرة فوارق بين موضعي البقرة والأعراف. ومن رفضها، فقد وافق الآلوسي فيما ذهب إليه، حيث رفض ما ذكره الإمام الرازي، وتعقبه فيما ذكره من فوارق، وخَلَص إلى أن تلك الفوارق المذكورة لا تخلو من نظر.
    وقد سكت كثير من المفسرين عن ذكر تلك الفوارق، ولم يتعرضوا لها - فيما رجعنا إليه - بإثبات أو نفي.
    وعلى الجملة، فإن ما قيل من نكت وفوارق بين آيتي سورة البقرة وآيتي سورة الأعراف، وإن لم يكن القول به على سبيل اليقين، فإن ما هو متيقن - بهذا الصدد - أن التفنن في التعبير لم يزل دأب البلغاء، وفيه من الدلالة على رفعة شأن المتكلم ما لا يخفى، والقرآن الكريم مملوء من ذلك.

    محمد الرملى
    مشرف المنتدى الاسلامي
    مشرف المنتدى الاسلامي

    علم الدولة : علم الدولة
    الجنسية : مصري
    ذكر المزاج : احسن من كدة مفيش

    default رد: تفسير الاية 41 من سورة البقرة

    مُساهمة من طرف محمد الرملى في الإثنين أغسطس 24, 2009 10:26 pm

    الآية 153 سورة البقرة

    بعد أن توجَّه الخطاب القرآني إلى بني إسرائيل - والعلماء منهم خاصة - بالترهيب والإنكار والتوبيخ على ما كان منهم؛ انتقل إلى أسلوب الترغيب والتحفيز، فجاء الأمر بالاستعانة بالصبـر، إذ به ملاك الهدى والسداد؛ وجاء الأمر بالاستعانة بالصلاة، إذ بها الفلاح والرشاد.
    وبيان ذلك: أن مما يصد الناس عن إتباع الدين القويم إلفهم بأحوالهم القديمة، وضعف النفوس عن تحمل مفارقتها، فإذا تخلَّقوا بأخلاق الصبر سهل عليهم إتباع الحق، ومفارقة ما أَلْفَوْه من عادات جاهلية، وأعراف لا يقرها الشرع الحنيف.
    ومن هنا جاء الأمر لبني إسرائيل بالاستعانة بالصبر على الوفاء بما عاهدوا الله عليه في طاعته وإتباع أمره، وترك ما يميلون إليه من الرياسة وحب الدنيا، ومن ثم التسليم لأمر الله، وإتباع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
    وحسبك بمزية الصبر أن الله جعلها سببًا من أسباب الفوز، قال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.
    قال الغزالي رحمه الله: ذكر الله الصبر في القرآن في نيِّف وسبعين موضعًا، وأضاف أكثر الخيرات والدرجات إلى الصبر، وجعلها ثمرة له، قال سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا}... (السجدة : 24)، وقال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ}... (الأعراف : 137) وقال أيضًا: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}... (البقرة : 153) والآيات كثيرة في هذا المعنى.
    وأنت - قارئي الكريم - إذا تأملت وأمعنت النظر، وجدت أن أصل التدين والإيمان راجع إلى الصبر؛ فإن فيه مخالفة النفس هواها ومألوفها في التصديق بما هو مغيب عن الحس الذي اعتادته، وفيه طاعة خالق لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، فإذا صار الصبر خُلُقًا لصاحبه، هان عليه كل شيء لأجل الخضوع للحق والتسليم للبرهان.
    وبهذا يظهر وجه الأمر بالاستعانة على الإيمان وما يتفرع عنه بالصبر، فإنه خُلُق يفتح أبواب النفوس لقبول الحق والخضوع له.
    أما طلب الاستعانة بالصلاة، فهي فضلاً عن كونها شكرًا للمنعم وخضوعًا لأمره، فإن فيها صبراً من جهات عدة؛ إذ فيها مخالفة حال المرء المعتادة، ولزومه حالة في وقت معين، وفيها تجلية الأحزان وكشف الكربات.
    وقد صح في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه (كان إذا حَزَبه أمر صلى) رواه أبو داود و أحمد، أَي: إذا نزل به أمر مُهِمّ، أَو أَصابَه غمّ وهمٌّ واشتد عليه بادر إلى الصلاة؛ وقوله عليه الصلاة والسلام: (أرحنا بها يا بلال) رواه أبو داود و أحمد، وهذا أمر يلمسه من تحرَّاه وقصده من المصلين، ويكفيك في ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} ففي الصلاة أكبر العون على الثبات في الأمر، والعزيمة في الرشد.
    ثم إن الآية التي بين يديك، نظير قوله تعالى مخاطبًا نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى}... (طـه : 130) فأَمَرَ سبحانه نبيه في نوائبه كافة بالفزع إلى الصبر والصلاة، إذ بهما العون والثبات وكشف الهموم والكربات.
    والضمير في قوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} راجع - على أرجح الأقوال - إلى جميع المأمورات والوصايا السابقة التي خوطب بها بني إسرائيل.
    والمراد (بالكبيرة) هنا الصعبة التي تشق على النفوس؛ وإطلاق (الكِبَرُ) على الأمر الصعب والشاق أمر معهود في كلام العرب؛ لأن المشقة من لوازم الأمر الكبير، قال تعالى: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ}... (البقرة : 143) وقال سبحانه: {إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ}... (الأنعام : 35).
    وقوله تعالى: {إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} الخاشع هنا هو من ذلل نفسه وضبط شهوتها بضوابط الشرع الحنيف، فتصبح النفس حينئذ مطاوعة لأمر الله، راغبة في أمره وراهبة من نهيه.
    وهذا الوصف في الآية يشبه ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: (لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه) رواه الترمذي و أحمد.
    والمعنى على ما تقدم: أن الاستعانة بالصبر والصلاة ليس بالأمر اليسير على الأنفس، بل هو خاص بالنفوس الخاضعة لطاعته سبحانه، والمصدقة بوعده، والخائفة من وعيده.
    على إن الآية وإن كانت خطابًا في سياق إنذار بني إسرائيل وتهديدهم، بيد أن خطابها ليس خاصًا بهم وحدهم فحسب، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما يقول أهل العلم.
    يُنبئك بهذا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}... (البقرة : 153) وعلى هذا فإننا اليوم - نحن المسلمين - أولى الناس بوعي هذا الخطاب القرآني، والعمل به، خاصة بعد ما آل أمر الأمة إلى ما لا يخفى. نسأل الله التوفيق والعون والفرج والخاتمة بالحسنى

    محمد الرملى
    مشرف المنتدى الاسلامي
    مشرف المنتدى الاسلامي

    علم الدولة : علم الدولة
    الجنسية : مصري
    ذكر المزاج : احسن من كدة مفيش

    default رد: تفسير الاية 41 من سورة البقرة

    مُساهمة من طرف محمد الرملى في الإثنين أغسطس 24, 2009 10:27 pm

    الآية 158 من سورة البقرة
    قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}... (البقرة: 158).
    كان السعي بين الصفا والمروة من شعائر الحج منذ زمن إبراهيم عليه السلام؛ تذكيرًا بنعمة الله على هاجَر وابنها إسماعيل ، إذ أنقذه الله من العطش، كما ثبت ذلك في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه: (..فانطلقتْ كراهية أن تنظر إليه -ابنها- فوجدتْ الصفا أقرب جبل يليها فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى من أحد، فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا وأتت المروة، فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس : فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فلذلك سعى الناس بينهما) رواه البخاري.
    وعند البخاري أيضًا من حديث أنس بن مالك ، وقد سُئل عن الصفا والمروة، فقال: (كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ}).
    وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به، استدلالاً بهذه الآية، وبفعله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، ففي "صحيح مسلم" من حديث جابر يصف فيه حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (..ولما فرغ من طوافه بالبيت عاد إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا، وهو يقول: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ} ثم قال: أبدأ بما بدأ الله به) وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام، قوله: (لتأخذوا عني مناسككم) رواه مسلم.
    وروى الإمام أحمد في "المسند" بسند حسن، عن ابن محيصن رضي الله عنه، قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه، وهو وراءهم وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي، يدور به إزاره وهو يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي).
    وقوله جل ثناؤه: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}.
    (الجُناح) الإثم، اشتق من جَنَحَ، إذا مال، وظاهر الآية أن السعي بين الصفا والمروة ليس بواجب، وليس الأمر كذلك، وقد بيَّن حديث عائشة رضي الله عنها المقصود من الآية، فيما رواه مالك من حديث عروة بن الزبير رضي الله عنهما، قال: قلت لـ عائشة - وأنا يومئذ حديث السن -: أرأيتِ قول الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ} فما على الرجل شيء أن لا يطوف بهما، فقالت رضي الله عنها: كلا، لو كان كما تقول لكانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما؛ إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يُهلِّون لمناة (اسم صنم) وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة...
    فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ} فالآية - كما دل حديث عائشة رضي الله عنها - نزلت لدفع وَهْمِ مَن توهَّم، وتحرَّج من المسلمين عن الطواف بين الصفا والمروة؛ لكونهما في الجاهلية تُعبد عندهما الأصنام، فنفى الله تعالى الجُناح لدفع هذا الوهم، لا لأن السعي بينهما غير لازم، كما قد يتبادر من ظاهر الآية.
    وفي رواية أخرى لـ(عائشة رضي الله عنها)، ثبتت في "الصحيحين" قالت: (قد سنَّ رسول الله الطواف بهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما).
    ثم إن تقييد نفي (الجُناح) في الآية، فيمن طاف للحج أو العمرة، فيه دلالة على أنه لا يُتطوع بالسعي مفردًا، إلا مع انضمامه لحج أو عمرة، وهذا بخلاف الطواف بالبيت، حيث يُشرع الطواف فيه مفردًا عن الحج والعمرة.
    وقوله جلَّ من قائل: {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا} أي فعل طاعة {فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} أي مثيب على الطاعة لا تخفى عليه.
    فبين سبحانه أن الخير كل الخير فيما يفعله العبد من الطاعات، والقربات التي تقربه إلى ربه، وذلك أنه كلما ازداد العبد في طاعة خالقه ازداد خيره وكماله، ورُفعت درجته عند الله .
    على أن في الآية دلالة أخرى، دلَّ عليها تقييد التطوع بالخير، إذ يُفهم من هذا التقييد أن من تطوع بالبدع، وبغير ما شرعه الله سبحانه، أو فَعَلَ ما أمره الله على غير الصفة التي شرعها الله، فإن عمله غير مقبول، ولا يحصل له من الأجر سوى العناء، ومن كانت حاله كذلك، فهو داخل في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}... (الكهف: 103- 104).
    وقوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}.
    هذا بيان من الله سبحانه أنه يقبل من عباده اليسير من العمل، ويجازيهم عليه العظيم من الأجر؛ كما أن في الآية إشارة إلى أن من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، ومن تقرب منه شبرًا تقرب منه ذراعًا، وأنه سبحانه عليم بأحوال خَلْقه، ومن يستحق الثواب منهم، ومن يستحق العقاب .
    ثم إن الآية بمجملها تدل على أن الساعي بين الصفا والمروة ينبغي أن يستحضر فقره لخالقه، وذلَّه بين يديه سبحانه، وحاجته إلى الله تعالى في هداية قلبه، وصلاح أمره، وغفران ذنبه، وأن لا ملجأ من الله إلا إليه، قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}... (فاطر:15).

    محمد الرملى
    مشرف المنتدى الاسلامي
    مشرف المنتدى الاسلامي

    علم الدولة : علم الدولة
    الجنسية : مصري
    ذكر المزاج : احسن من كدة مفيش

    default رد: تفسير الاية 41 من سورة البقرة

    مُساهمة من طرف محمد الرملى في الإثنين أغسطس 24, 2009 10:28 pm

    الآية 186 سورة البقرة
    عن فضل الدعاء دعونا القرآن إلى الدعاء والحث عليه وردت في مواضع عديدة من كتاب الله، نختار منها قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}... (البقرة :186)، وقوله سبحانه: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً}... (الأعراف:55) وقوله جلا وعلا: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}... (غافر:60) وغير ذلك من الآيات الداعية إلى الدعاء.
    والدعاء من جهة اللغة يطلق على سؤال العبد من الله حاجته، ويطلق من جهة الشرع على معان عدة، منها العبادة، وعلى هذا فُسر قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} أي: اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دوني؛ وعن ثابت، قال: قلت لأنس رضي الله عنه: يا أبا حمزة أبلغك أن الدعاء نصف العبادة ؟ قال: لا، بل هو العبادة كلها.
    وإذا كان الدعاء هو العبادة كما جاء في الحديث، فإن العبادة أيضًا هي الدعاء، إذ لا تخلو عبادة من الدعاء، ولكن ما نريد إدارة الحديث حوله هنا، هو أهمية الدعاء بمعناه الأصلي واللغوي، ونقصد بذلك توجه العباد إلى الله تعالى طلبًا لقضاء الحاجات وكشف الكربات، وهو أمر يكاد يغفل عنه كثير من المسلمين، مع ندب الشرع إليه، وشدة احتياجهم إليه.
    فمن فضل الله تبارك وتعالى وكرمه أن ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة؛ ففي الحديث: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني)... رواه مسلم.
    وفي حديث آخر: (إن الله تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيراً فيردهما خائبتين)... رواه أحمد.
    ويلاحظ أن طلب الدعاء في الخطاب القرآني جاء مقرونًا ومرتبًا عليه الإجابة؛ فالعلاقة بينهما علاقة السبب بالمسبَّب، والشرط بالمشروط، والعلة بالمعلول، فليس على العبد إلا الالتجاء إلى الله - بعد الأخذ بالأسباب - وطلب العون منه في كل عسر ويسر، وفي المنشط والمكره، ووقت الفرج ووقت الكرب.
    ففي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث؛ إما أن يعجل له دعوته، وإما إن يدخر له، وإما إن يكف عنه من السوء بمثلها. قالوا: إذن نكثر ؟ قال: الله أكثر)... رواه أحمد.
    وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي)... رواه البخاري و مسلم.
    قال السدي في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} ليس من عبد مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإن كان الذي يدعو به هو له رزق في الدنيا أعطاه الله، وإن لم يكن له رزقًا في الدنيا ذخره له إلى يوم القيامة، ودفع عنه به مكروها.
    ولسائل أن يسأل: فما لنا ندعو فلا يُستجاب لنا؟ وفي الجواب على هذا نختار ما أجاب به القرطبي عن هذا الإشكال، إذ قال رحمه الله: الجواب أن يُعْلَم أن قوله الحق في الآيتين {أُجِيبُ} و {أَسْتَجِبْ} لا يقتضي الاستجابة مطلقًا لكل داع على التفصيل، ولا بكل مطلوب على التفصيل.
    فقد قال ربنا تبارك وتعالى في آية أخرى: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}... (الأعراف:55) وكل مصر على كبيرة عالمًا بها أو جاهلاً فهو معتد، وقد أخبر أنه لا يحب المعتدين، فكيف يُستجاب له؛ وأنواع الاعتداء كثيرة.
    ويمكن أن يقال أيضًا: إن إجابته سبحانه متعلقة بإرادته، فيجيب لمن يشاء من عباده، ويُعْرِض عمن يشاء، لحكمة يريدها الله، يؤيد هذا قوله تعالى: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء}... (الأنعام:41) والقرآن يفسر بعضه بعضًا.
    إذا تبين هذا كان من اللازم القول: يمنع من إجابة الدعاء موانع لا بد من مراعاتها والتحفظ منها؛ وهي على العموم فعل كل ما لا يرضي الله سبحانه، كأكل الحرام وما كان في معناه.
    وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم ذكر (...الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب) وهذا استفهام على جهة الاستبعاد من قبول دعاء من كانت هذه صفته؛ فإن إجابة الدعاء لا بد لها من شروط في الداعي، وفي الدعاء، وفي الشيء المدعو به.
    فمن شرط الداعي أن يكون عالمًا أنه لا قادر على قضاء حاجته إلا الله، وأن يدعو بنية صادقة وقلب حاضر، فإن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاه، وأن يكون مجتنبًا لأكل الحرام، وألا يمل من الدعاء.
    وغير ذلك من الشروط التي فصل العلماء القول فيها.
    والذي نخرج به مما تقدم، أن أمر الدعاء في حياة المسلم لا ينبغي أن يُقَلِّل من شأنه، ولا أن يحرم المسلم نفسه من هذا الخير الذي أكرمه الله به، والمسلم حريص على الخير، أولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (واحرص على ما ينفعك) وتأمل في قوله عليه الصلاة والسلام: (احرص) ليتبين لك قيمة هذا الهدي النبوي.
    ولا شك فإن النفع كل النفع في الدعاء، وخاصة إذا استوفى أسبابه؛ ولعل فيما خُتمت فيه آية البقرة: {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} ما يؤكد هذا المعنى؛ كما أنَّ فيما خُتمت به آية غافر: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} ما يشد من أزر هذا المعنى، والله أعلم.

    محمد الرملى
    مشرف المنتدى الاسلامي
    مشرف المنتدى الاسلامي

    علم الدولة : علم الدولة
    الجنسية : مصري
    ذكر المزاج : احسن من كدة مفيش

    default رد: تفسير الاية 41 من سورة البقرة

    مُساهمة من طرف محمد الرملى في الإثنين أغسطس 24, 2009 10:29 pm

    الآية 196 من سورة البقرة

    قال تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (البقرة: 196) هذه الجملة من الآية معطوفة على صدر الآية: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} فبعد أن أمر سبحانه بإتمام الحج والعمرة، شرع في بيان حكم الموانع التي تحول دون إتمام النسك، فقال: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} و"الإحصار" لغة: هو المنع مطلقًا، قال تعالى: {لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (البقرة:273) أي مَنَعَهُمُ الفقر من الخروج للجهاد في سبيل الله.
    وقد اختلف أهل العلم في مسألة إحصار المحرم، هل يختص الحصر بالعدو فحسب، فلا يتحلل المحرم إلا إذا حصره العدو، أم أن الحصر يشمل كل مانع من عدو وغيره؛ وهم في ذلك على قولين:
    الأول: يرى أن الحصر لا يكون إلا من العدو، فأما من أصابه مرض أو فقد نفقته، أو أضل طريقه...فلا يُعدُّ ذلك إحصارًا، وليس هو بمحصر، وهذا القول مروي عن ابن عباس و ابن عمر رضي الله عنهما، و الزهري وآخرين، رحمهم الله.
    والثاني: يرى أن الحصر أعم من أن يكون بعدو، بل يكون الإحصار بكل مانع يمنع المحرم من إتمام ما شرع به من نسك؛ وقد أيَّد أصحاب هذا القول ما ذهبوا إليه بما رواه أحمد في "مسنده" عن الحجاج بن عمرو الأنصاري ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كُسر أو وُجع أو عَرج فقد حلَّ وعليه حجة أخرى، قال: فذكرت ذلك لابن عباس و أبي هريرة رضي الله عنهما، فقالا: صدق) أخرجه أصحاب السنن. قال الثوري : الإحصار يكون من كل شيء آذاه، من عدو وغيره.
    وقوله تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} استيسر هنا بمعنى يسَّر، أي ما أمكن، والمراد به جميع وجوه التيسر. والمقصود بـ "الهدي" الإبل والبقر والمعز والضأن؛ والذي ذهب إليه جمهور أهل العلم، أن الواجب في حال الإحصار شاة على كل محصَر، ويمكن أن يشترك سبعة أشخاص في ناقة أو بقرة. وهو مذهب الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى.
    ووجه ذلك، أن المقصود من تقديم الهدي حال الإحصار تحصيل بعض مصالح الحج بقدر الإمكان، فإذا فاتت مناسك الحج لمانع، فلا يفوت ما يُمنح لفقراء مكة ومن حولها .
    وقوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ}.... (البقرة:196) قوله: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ} معطوف على قوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ} وليس معطوفًا على قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ}.
    و"المَحِلُّ" مكان الحلول أو زمانه، يقال: حلَّ بالمكان يَحِلُّ، بكسر الحاء: وهو مقام الشيء، والمراد هنا مبلغه. والمعنى: لا يحل لمن دخل في أعمال الحج أو العمرة وأحرم بهما أن يحلق إلى أن يفرغ من أفعال الحج والعمرة .
    وقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ}... (البقرة:196) المراد بالمرض في الآية، المرض الذي يستدعي حلق الرأس، سواء أكان المرض بالجسد أم بالرأس.
    وقوله سبحانه: {أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ} كناية عن الوسخ الشديد والقمل، الذي يؤذي الرأس. وفي البخاري من حديث كعب بن عُجْرة رضي الله عنه، قال: حُمِلْتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي، فقال: (ما كنتُ أرى الجهد قد بلغ بك هذا، أما تجد شاة ؟ قلت: لا، قال: صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك) فنـزلت هذه الآية فيَّ خاصة، وهي لكم عامة .
    ومن لطائف القرآن الكريم، تَرْكُ التصريح بما هو غير لائق من الألفاظ، وذلك واضح في قوله تعالى: {أذًى} فهو كناية عما يصيب رأس المحرم من حشرات مؤذية، كالقمل ونحوه.
    وقوله تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} (البقرة : 196) ذكر سبحانه في هذه الآية الجزاء المترتب على حلق المحرم شعره، قبل فراغه من أعمال الحج، وجَعَلَ الجزاء على سبيل الاختيار؛ لأن " أو" كما يقول أهل اللغة، تفيد التخيير بين أمرين أو أكثر.
    ورويَ عن ابن عباس رضي الله عنهما، قوله: إذا كان " أو" فأيَّهْ أخذتَ أجزأ عنك. وهذا الذي رُوي عن ابن عباس هو ما عليه جمهور أهل العلم، إذ قالوا: يُخيَّر المحرم في هذا المقام، إن شاء صام، وإن شاء ذبح شاة، وإن شاء أطعم، أيَّ ذلك فعل أجزأه.
    ثم إن حديث كعب بن عُجرة رضي الله عنه المتقدم، قد بيَّن قدر الصيام والإطعام؛ فإما أن يصوم ثلاثة أيام، أو يُطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يذبح شاة، وهذه الفدية تُسمى عند الفقهاء فدية الأذى. والله ولي التوفيق والتيسير

    محمد الرملى
    مشرف المنتدى الاسلامي
    مشرف المنتدى الاسلامي

    علم الدولة : علم الدولة
    الجنسية : مصري
    ذكر المزاج : احسن من كدة مفيش

    default رد: تفسير الاية 41 من سورة البقرة

    مُساهمة من طرف محمد الرملى في الإثنين أغسطس 24, 2009 10:30 pm

    الأية 203 من سورة البقرة
    قوله تعالى: {وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ}... سورة البقرة الآية 203.
    الأيام المعدودات هي أيام منى، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، يقيم الناس فيها بمنى، وتسمى أيام التشريق؛ والأيام المعلومات هي أيام عشر ذي الحجة، كما جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما .
    وفي الحديث الصحيح: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر) رواه مسلم ، وفي الحديث الآخر: (وأيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) رواه أحمد وغيره، وعند أبي داود: (إنما جُعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله عز وجل).
    ودلت الآية على طلب ذكر الله في أيام رمي الجمار، وهو الذكر عند الرمي، وعند نحر الهدايا. وإنما أمروا بالذكر في هذه الأيام؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يشغلونها بالتفاخر بالآباء، ومغازلة النساء، فأمرهم الله سبحانه بذكره .
    ثم إن حاصل القول في رمي الجمار: أن الجمرة الكبرى - وتسمى جمرة العقبة - تُرمى يوم النحر قبل الذبح، وتُرمى الجمار الثلاث في الأيام التالية ليوم النحر بعد الزوال؛ فيبدأ الحاج برمي الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف بسبع حصيات، ثم يرمى الجمرة الوسطى، ويختم برمي الكبرى، كل جمرة بمثل ذلك، ويكبر مع كل حصاة. وأحكام الرمي يُرجع في تفصليها إلى مقالات فقه الحج والعمرة من محورنا هذا .
    ودلت الآية الكريمة على أن المبيت في منى في الأيام المعدودات واجب؛ فليس للحاج أن يبيت في تلك الليالي إلا في منى؛ ومن لم يبت في منى فقد أخلَّ بواجب، فعليه هَدْيٌ، ولا يُرَخَّص في المبيت خارج منى إلا لأهل الأعمال التي تقتضي المغيب عن منى؛ وقد رخص صلى الله عليه وسلم لـ لعباس المبيت بمكة لأجل أنه كان على سقاية زمزم .
    وقوله تعالى: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ}.
    رخَّصت الآية الكريم لمن أراد العودة إلى أهله في ترك حضور بعض أيام منى، وهذا من رحمة الله بعباده، ومن باب التوسعة عليهم؛ فإن شاء الحاج أقام في منى أيام الرمي الثلاثة، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة
    وإن شاء تعجل ورجع إلى أهله قبل تمامها، فيرمي في اليوم الأول والثاني، ثم يخرج من منى قبل مغيب شمس يوم الثاني عشر، كما بيَّن ذلك الحديث المتقدم: (وأيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) ولا خلاف بين أهل العلم أن التأخر إلى آخر أيام التشريق أفضل .
    وحاصل المعنى: ليكن ذكركم الله ودعاؤكم في أيام إقامتكم في منى، فمن اختار التعجل والرجوع إلى أهله، فلا حرج عليه أن يعود قبل يوم من انتهاء أيام الرمي الثلاثة، ومن أراد أن يبقى ليرمي في اليوم الثالث فله ذلك .
    وقوله تعالى: {لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّه}.
    لما كان الحاج على وشك الانتهاء من أعمال الحج، وتَرْك تلك الأماكن المباركة، والعودة إلى صخب الحياة وزخرفها، أعقب ذلك سبحانه ببيان أن لزوم المؤمن لتقوى الله ينبغي أن يكون على كل حال، وفي كل زمان، فليست تقوى الله مخصوصة بزمان محدد، ولا بمكان معين، وإنما هي مطلوبة في الحِلِّ والترحال، والعبادة والحياة، والشدة والرخاء.
    كما ثبت في الحديث: (اتق الله حيثما كنت) رواه الترمذي و أحمد ، في أي مكان كنت، وعلى أي حال أصبحت، لا كما يفعل بعض المسلمين اليوم، عند خروجهم من عبادة، كانتهاء رمضان، حيث يعودون إلى ما كانوا عليه من أعمال لا ترضي الله ورسوله

    محمد الرملى
    مشرف المنتدى الاسلامي
    مشرف المنتدى الاسلامي

    علم الدولة : علم الدولة
    الجنسية : مصري
    ذكر المزاج : احسن من كدة مفيش

    default رد: تفسير الاية 41 من سورة البقرة

    مُساهمة من طرف محمد الرملى في الإثنين أغسطس 24, 2009 10:31 pm

    الآية 286 من سورة البقرة

    من المعلوم بالضرورة في شرائع السماء عموماً، وفي شريعة الإسلام على وجه الخصوص، أن الإنسان لا يعاقب على ذنب فعله غيره، ولا يحاسب على جرم اقترفه إنسان آخر؛ ونصوص القرآن في تقرير هذا المعنى عديدة، من ذلك قوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} ...(البقرة:286)، وقوله سبحانه: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ...(الأنعام:164)، وقوله تعالى: {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى}... (طه:15)، ونحو ذلك من الآيات.
    ومقابل هذه الآيات التي تقرر أن المسؤولية العقابية لا يتحملها إلا الفاعل نفسه، نجد من الآيات التي تقرر أن صاحب الذنب قد يعاقب على ذنب فعله غيره؛ من ذلك قوله تعالى: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم}... (النحل:25)، وقوله سبحانه: { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ}... (العنكبوت:13)، فهاتان الآيتان يفيد ظاهرهما أن بعض الناس سوف يعاقبون على أفعال ارتكبها غيرهم، ولم يرتكبوها أنفسهم، الأمر الذي يوحي بأن ثمة تعارضاً بين الآيات النافية لتحمل آثام الآخرين، والآيات المثبتة لذلك.
    ولا شك، فإن كتاب الله أجلُّ وأعظم من أن يتضمن تعارضاً بين آياته؛ إذ هو من عند الله سبحانه، {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ}... (فصلت:42).
    وما يبدو من تعارض بين آياته إنما مرده لمحدودية عقل الإنسان فحسب، وواقع الأمر ألا تعارض.
    وقد أجاب العلماء على ما يبدو من تعارض بين الآيات بأن قالوا: إن الأصل في الحساب والعقاب يوم القيامة أن لا يحمل الإنسان تبعات غيره؛ لأن هذا يتنافى مع مبدأ العدل الذي أقرته شرائع السماء كافة، غير أن هذا الأصل قد يطرأ عليه ما يكون استثناء منه لسبب يقتضي ذلك، على ما سنبينه قريباً.
    ونحن نمثل لذلك بمثال من واقع الناس فنقول: لو أن شخصاً ما حرَّض شخصاً آخر على قتل إنسان ما، فاستجاب هذا الشخص لهذا التحريض، وقام بقتل ذلك الإنسان، فإن القضاء هنا يعاقب الفاعل المباشر وهو القاتل، ويعاقب الفاعل غير المباشر أيضاً، وهو المحرض على القتل. وليس من العدل أن يقال هنا: إن العقاب يجب أن ينصب على الفاعل المباشر دون المحرض؛ لأن المحرض - باعتبار ما - يُعتبر متسبباً في القتل من جهة أنه حرض ذلك الشخص، ودفعه إلى مباشرة القتل، ولولا ذلك التحريض لما وقع القتل.
    وعليه فلا يصح إسناد فعل القتل هنا للفاعل المباشر دون المحرض؛ إذ لو صح ذلك لكان ذلك الحكم جائراً غير عادل.
    وما نحن فيه من الآيات لا يبعد كثيراً عما مثلنا به آنفاً؛ وذلك أن تلك الآيات تفيد تحمل العقاب على فعل فعله آخرون؛ وذلك باعتبار أن هؤلاء الحاملين لأوزار غيرهم إنما نالوا هذا العقاب من جهة أنهم كانوا السبب وراء من ضل عن سبيل الله، فنالهم العقاب بهذا الاعتبار، فكان العدل تحميلهم تبعات ما قاموا به من إضلال لغيرهم.
    ولا ينبغي أن يُفهم من هذا أن ما يحمله المضلون من أوزار غيرهم يعفي الضالين من الحساب والعقاب، بل كلا الفريقين محاسب جراء عمله، فالمضلون يحملون أوزار من أضلوهم، ويعاقبون على ذلك بسبب إضلالهم إياهم، والضالون يحملون أوزار أنفسهم جراء إتباعهم لأولئك المضلين.
    وقد روي عن مجاهد في قوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ}، قال: ذنوبهم وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف عمن أطاعهم من العذاب شيئاً.
    على أننا لو دققنا النظر في الأمر لتبين لنا أن ما يحمله المضلون من أوزار الضالين هو في الواقع نتيجة عملهم وكسبهم؛ إذ لما كان هؤلاء المضلون سبباً مباشراً لضلال أولئك الأتباع، صح أن يعاقبوا ويحاسبوا على فعل كانوا هم السبب في وجوده وتحقيقه، فكان ما حملوه من عقاب ليس بسبب فعل قام به غيرهم، وإنما بسبب فعل قاموا به بأنفسهم، فوضح بذلك أن العقاب نالهم بما كسبت أيديهم، لا بما كسبه غيرهم.
    وقد ورد في السنة ما يدل على ما تقدم بيانه؛ فقد روى مسلم في "صحيحه" من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة، فحث الناس على الصدقة فأبطؤوا عنه، حتى رئي ذلك في وجهه، ثم إن رجلاً من الأنصار جاء بصرة من وَرِق - فضة -، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عُرف السرور في وجهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده كُتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء؛ ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعُمل بها بعده كُتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء).
    وفي رواية أخرى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً) رواه مسلم.
    فهذا الحديثان يدلان دلالة واضحة على ما كنا بيناه سابقاً، من أن الإنسان يتحمل مسؤولية عمله، إذا كان لعمله أثر مباشر أو غير مباشر على غيره.
    وتأسيساً على ما سبق بيانه، فمن كان إماماً في الضلالة ودعا إليها، واتبعه الناس عليها، فإنه يحمل يوم القيامة وزر نفسه، ووزر من أضله من الأتباع، من غير أن ينقص من وزر الضالين شيء.
    وعلى ضوء ما تقدم، يتبين أن الأصل الذي ذكرناه بخصوص الحساب والعقاب ليس على إطلاقه، وإنما هو مقيد بحيث لا يكون لفعل الإنسان أثر على غيره، فإن كان ذلك كذلك كان مشتركاً في الحساب والعقاب، من جهة أنه كان سبباً. فوضح بهذا التقرير ألا تعارض حقيقي بين تلك الآيات

    cleopatra2
    المشرفة العامة
    المشرفة العامة

    علم الدولة : علم الدولة
    الجنسية : مصري
    انثى المزاج : بالي وضميري مرتاحين والحمد لله

    default رد: تفسير الاية 41 من سورة البقرة

    مُساهمة من طرف cleopatra2 في الأحد أكتوبر 11, 2009 9:17 am

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]




    لا تقل يارب عندي هم كبير
    ولكن
    قل يا هم عندي رب كبير

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

    إذا اختفى العدل من الأرض لم يعد لوجود الإنسان قيمة

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس يناير 19, 2017 10:45 pm